حسن الأمين
69
مستدركات أعيان الشيعة
لدى المتهور ينقص حظه من الحيلة البارعة ، وذلك في الأعمال الكبيرة ، أما في الأمور اليومية الصغيرة فلعل الوزير المغربي كان سيد من دبر « المقالب » وضحك على زملائه وضحك منهم . ومن حق من تصدوا لترجمته أن يقولوا إنه كان داهية لأنه كان دائما يدبر الخطط حتى لم ينس أن يدبر كيف ينتقل إلى مشهد علي متخذا في ذلك احتياطات أكثر مما يتطلبه الموقف . ورغم العقل المسيطر في توجيه خططه نجده امرأ « عاطفيا » بل يمكن أن يقال فيه إنه كان يوقد الشمعة من طرفيها : كان كثير الانقياد لشهوته ، حتى إذا أمعن فيها تذكر ثقل الآثام والذنوب وما يترتب عليها من حساب ، ولذلك فان شعره يتراوح بين هاتين المنطقتين على نحو متكافئ . أعطى ريعان الصبا من المجون ما أحب ولكنه في قرارة نفسه يبغض الإثم . يذهب فنونا هي هوى إلف له ثم يهجره ، ويموت الألف وهما متهاجران ، فيحس بالندم ويبكي بحرقة ثم يلوذ بكرم البارئ - جل وعز - : هو المحسن البر فيما قضاه والحاكم العدل في ما حكم وإني وإن حجبتني الذنوب فمني السؤال ومنه الكرم بل تبلغ به التوبة حد التعلق بأستار الكعبة : أستار بيتك أمن الخوف منك وقد علقتها مستجيرا منك يا باري وما أظنك لما أن علقت بها خوفا من النار تدنيني من النار وها أنا جار بيت أنت قلت لنا حجوا إليه وقد أوصيت بالجار بل يمكن أن يقال إنه في هذا التردد ضيع نقطة الوسط ، وإن كان بتارجحه المستمر يحاول التوسط . ولما قال له المطران إيليا إن الرهبان لا يدعون للإنسان بطول العمر أو زيادة المال أو كثرة النسل وإنما يسألون الله أن يصنع به ما له فيه الخيرة شرح المغربي كيف بارح البحث عن النقطة الوسط . ذكر أنه يفتش عن غاية العز ( ورى بالعز هنا عن أشياء كثيرة ) أو عن غاية الزهد . أما الزهد فغير ممكن في حال الوزير ، لأن الزاهد يخدم نفسه بنفسه والوزير يخدمه الكثيرون . وأما العز فهو يتمناه بلهفة ، ولكنه واقع بالنسبة له بين طمع فيه وحرمان مؤقت منه « ومع طمعي فاني لست مؤيسا منه » ( 1 ) ، فكل ما ناله من عز لم يكن مرضيا له ، ولذلك فهو يحس أنه لم ينل كل ما يريده ، أي هو واقع في نقطة وسط لا يريدها . لا يريد أن يتجه نحو الزهد ، إنه لا يرضى إلا بالطرف الأقصى من العز ، وهذا الموقف الذي يمثل آخر مراحل حياته يدحض رواية تنسب إليه أنه تزهد واعتزل العمل . وتذهب هذه الرواية إلى أنه كان يعايي من يدخل عليه بامتحانه وسؤاله في غير ميدانه العلمي ، وأن شيخا دخل عليه فسأله عن العلم فقال : ما أدري ولكني رجل يودعني الغريب الذي لا أعرفه الأموال العظيمة ويعود بعد سنين وهي مختومة . ( هاهنا تعريض بالوزير ) ، فخجل وآل الأمر أن زار أحد الصالحين ( أو هو الشيخ نفسه ) فقال له : لو صحبتنا لنستفيد منك وتستفيد منا ، فقال : ردني عن هذا بيت شعر : إذا شئت أن تحيا غنيا فلا تكن بمنزلة إلا رضيت بدونها فانا أكتفي بعيشي هذا . فقال : يا شيخ ما هذا بيت شعر ، هذا بيت مال ، ثم قال : اللهم أغننا كما أغنيت هذا الشيخ واعتزل السلطان ( 2 ) على أنه مهما استبد به استبحاره في الشهوات ، فقد كان ذا غيرة على الإسلام ، وإيمان عميق به ، ولذلك تجده شديد السرور حينما أسلم رئيس اليعاقبة بتكريت ، ذلك هو أبو مسلم مشرف بن عبيد الله الذي كان يعرف بالمطران الكبير : « فهنا الله الإسلام ما يزال يتولاه من إيضاح مناره ، وتبلج أنواره ، وإدامة صبحه ضاحكا تتصدع عنه دياجير الشبهات ، وتنجلي منه ملابس الضلالات » ولعل مما زاده سرورا أن المطران رأى الامام عليا بصحبة الرسول ( ص ) في المنام . فقد كان الرجل شيعيا ، وكان إذا أمن أفصح عن حقيقة مشاعره ، وفي تلك اللحظات كان موقفه من رجالات الإسلام موقفا شيعيا خالصا ولذلك كان علي بطبيعة الحال هو خير الصحابة في نظره : عرفنا عليا بطيب النجار وفصل الخطاب وحسن المخيلة تطلع كالشمس رأد الضحى بفضل عميم وأيد جزيله فكان المقدم بعد النبي على كل نفس بكل قبيله وهو القائل في علي ( ع ) : صلى عليك الله يا من دنا من قاب قوسين مقام النبيه أخوك قد خولفت فيه كما خولف في هارون موسى أخيه هل برسول الله من أسوة لم يقتد القوم بما سن فيه وحين فارق ابن المغربي مصر كان قد تجاوز الثلاثين ، وهي سن متأخرة للزواج في ذلك العهد ، ولذلك فان زواجه وهو بمصر هو المرجح ، وحين رزق بابنه الأول سماه عبد الحميد - لإعجابه بإمام الكتابة - وكناه أبا يحيى . وكان الذي هناه بمولده صاحب ديوان الجيش بمصر أبو عبد الله محمد بن أحمد فقال ( 3 ) : قد أطلع الفال معنى يدركه العالم الذكي رأيت جد الفتى عليا فقلت جد الفتى علي وقد كبر ابنه وروى عن أبيه ، وحدث ببعض أخباره ( 4 ) ويبدو أنه أصهر إلى عائلة علوية عراقية إذ يذكر أن أبا الحسن علي بن أبي طالب بن عمر كان صهره ( 5 ) ، وقد كانت زوجته هي بنت العرموم ، ولا ندري أكانت هي أم عبد الحميد ، أم لا ، ولعلها كانت على جانب غير قليل من الثراء ، وكانت لها شخصيتها المستقلة أو حاول زوجها أن يمنحها ذلك المظهر ، إذ تذكر الروايات أنها أهدت أبا كاليجار البويهي لما طلع قلعة إصطخر « مذاف أحمر بهرمان رماني ما يعرف قيمته » ( 6 ) . ولا ندري هل كان عبد الحميد الابن الوحيد للوزير المغربي أو أنه رزق بأبناء آخرين . وقد ظلت الأجيال من بعد تشير إلى الحسين بن علي باسم « الوزير المغربي » حتى أصبح اللقب غير منفصل عن نسبته عند ذكره ، ولكنه لم يكن
--> ( 1 ) مجالس إيليا : 431 . ( 2 ) المنتظم 8 : 32 - 33 ومرآة الزمان 12 : 48 وانظر رواية أخرى من القصة رقم : 26 منقولة عن بغية الطلب . ( 3 ) ابن خلكان 2 : 174 . ( 4 ) ابن أبي أصيبعة 1 : 232 . ( 5 ) ابن الأثير 9 : 336 . ( 6 ) الذخائر والتحف : 79 ، و « المذاف » - هكذا ورد - ولم أتبين ما هو .